القرطبي

245

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وروى سفيان بن عيينة قال : حدّثنا سفيان بن سعيد ، عن مسعر قال : بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية ، فقال : يا رب ؛ إن فيها فلانا العابد ، فأوحى اللّه تعالى إليه أن به فابدأ فإنه لم يتغير وجهه فيّ ساعة قط « 1 » . وقال وهب بن منبه : لما أصاب داود الخطيئة قال : يا رب اغفر لي . قال : قد غفرتها لك وألزمت عارها بني إسرائيل . قال : كيف يا رب ؛ وأنت الحكم العدل الذي لا تظلم أحدا ، أعمل أنا الخطيئة ويلزم عارها غيري ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه : يا داود إنك لما اجترأت عليّ بتلك المعصية لم يعجلوا عليك بالنكرة « 2 » . وروى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة : فأنكرها - كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها » « 3 » . وهذا نص في الفرض . وحسّن رجل عند الشعبي قتل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فقال الشعبي : قد شركت في دمه . وفي صحيح الترمذي « 4 » : « إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم اللّه بعقاب من عنده » « 5 » . فالفتنة إذا عمت هلك الكل ، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير ، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها ، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم ، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين ، وقالوا : لا نساكنكم . وبهذا قال السلف رضي اللّه عنهم . روى ابن وهب ، عن مالك قال : تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقرّ فيها . واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن

--> ( 1 ) أخرجه الحميدي كما في « الداء والدواء » لابن القيم ص 72 - ط . ابن الجوزي - وص 134 - دار ابن خزيمة - ، وهي لا تصح . ( 2 ) ذكرها ابن القيم في المصدر السابق ص 72 - ابن الجوزي و 135 - ابن خزيمة - عن ابن أبي الدنيا ، ولا تصح أيضا . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( 4345 ) وحسّنه الألباني . ( 4 ) يقصد المصنف « جامع الترمذي » المشهور بالسنن ، وإطلاق لفظ : « صحيح الترمذي » عليه غير دقيق ، والصواب في اسمه : « الجامع المختصر من السنن عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل » . ( 5 ) أخرجه الترمذي ( 2168 ) وغيره ، وهو صحيح ؛ صححه الألباني .